Friday, October 7

مقال.. حتى نلتقي – نعيمًا

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

بقلم // يوسف أبو جعفر أبو الطَّيِّب

ليس من السهل الوصول، وتعتبر محظوظًا إن حضرت وسُمح لك بالجلوس مباشرة أو حتى بالانتظار بضع دقائق، في العادة لا بدَّ من حجز دور، وفي المواسم يرفض حتى تسجيل الأدوار، هكذا حتى يمنع عن نفسه الحرج.

البعض يأبى تغيره ويرفض أن يداعب رأسه سوى ذلك الشخص والقليلون أولئك الذين لا يأبهون بمن يداعب رؤوسهم طالما أن النتيجة تكون مرضية في النهاية.

لاحظت أن هذه المهنة لا بدَّ منها، لم تتغير إلا قليلًا، وعادة في أمرين الأول أدوات العمل، فقد أصبحت كهربائية، والثاني وجود أنماط كثيرة من النماذج التي يجب أن يختارها الزبون غير الدائم، أما أولئك الدائمين فصاحبنا يعرف كيف يداعب رؤوسهم وكيف يحافظ لهم على ما يريدون.

لحسن حظي فقد لمحت المكان يكاد يكون فارغًا، ففي هذه الساعة يقل فيها حضورهم لأسباب كثرة، وما تبقى على رأسي إلا القليل منه، سوى أني أعتز بهذه القلة وفي كل مرة يداعب الريح رأسي تنتقل من مكان لأخر، حتى بدأت الملاحظات تلاحقني متى ستزورالحلاق، وها أنا أفعل أجلس واستسلم لقضاء الله وزنين الماكنة وصوت المقص في رأس الزبون بجانبي، مقعد مريح يهيء لك الفرصة لتترك رأيك يتحكم فيها صاحبنا، طلباته بسيطة، ولأني لست زبونًا دائما، قال كيف تريد الحلاقة؟ أجبت ببساطة كلاسيكية، لا اعتقد أن الأمر كان سهلًا عليه ، فقلت يعني عادية، وما زالت علامات الاستفهام في وجهه، أتريد الشعر في الجانين خفيفًا أم بدون؟ قلت فليكن متناسقًا، خلال الدقائق القادمة يحرك رأسي يمنة ويسرة، يخفضه، يرفعه، حينًا بإشارة وحينًا بدفعة بسيطة، وبعد دقائق كنت أشاهد ما تبقى من الشعر يصرخ تحت ضربات المقص في يده الماهرة، معلنًا أنه يحب قص الشعر بالمقص والمشط بالطريقة التقليدية ويجب أن أكون مرتاحًا للنتيجة، هنا الكل ينفذ الأوامر، ولا مجال للخطأ، شاهدت النتيجة سألني رأئي قلت لا ادري ما سيقرر هو عدد الملاحظات التي سأسمعها، بين نعيمًا وبين من الحلاق؟ ضحك يبدو أنه استغرب الإجابة وهو يقول نعيمًا بما يعني أن المهمة قد تمت بنجاح.

هذا الاستسلام لحلاق الرؤوس، الذي نسمح له بالعبث في رؤوسنا ونحن نخشى الصلع، ونغمض أعيننا في حضرته لأنه يعرف من نحن وما نريد، أو أعطيناه الوصف لما نحب، ثم نسترخي ونمتثل لما يقول سياسي بارع، فالجميع لديه يخرجون في غاية الرضى، شاهدت قصات شعر ما كنت لأقترب حولها على رؤوس الشباب التي تنتظر، ولا أدري عندما سينظر الفرد فيهم إلى صورته في المستقبل سيضحك أم يرمي بالصور، أشكال عجيبة من الاطفال والرجال وفي النهاية كانوا سعيدين، الابتسامة تعلو وجوههم وهم يقومون بدفع دراهم معدودة لأحدهم هناك، شعور بالتجديد يحدث بمجرد قص الزائد من الشعر وتهذيب اللحية.

الحلاقون هم السياسيون الأفضل في المدينة، إذا كنت متدينًا سيخفضون لك صوت الموسيقى، وإذا كنت من جمهور الموسيقى رفعوا صوتها، وربما يحدثونك عن مباريات كرة القدم الأسبانية والأوروبية، وأعراس الناس، كل شيء سوى السياسة لا يتحدثون فيها، يوصدون الباب كي لا تدخل، ولذلك ترى الزبائن الذين ينتظرون دورهم يضعون معتقداتهم السياسية بعيدًا وهم في الدور، هم كالطبيب ولكن دون قسم أبقراط.

لن نستغني عن الحلاق ما دام الشعر ينبت فوق الرؤوس، إلا إذا أصابنا الصلع، عندها سنتوقف عن زيارته، وقلة تلك تعتبر الصلع تقليعة وتتمنى استمرارها، كلنا يبحث عن شعر جميل يداعبه بيده ويعطي الحلاق الفرصة لتهذيبه.

حلاقو مدينتي رائعون ولا أدري لماذا لا يستعمل بقية أصحاب المهن نظام الحلاقين في إرضاء الناس حسب أذواقهم دون إجبارهم على تغير تصفيف الشعر بطريقة مختلفة.
وحتى نلتقي، الحلاق يصفف الشعر فإن أخفق فسيعود الشعر بعد زمن قصير لما كان عليه لذلك نتساهل معه إلا إذا كان صاحب الشعر عريسًا سيزف يومها فهناك لحظات تخلد ولا مجال لتصحيح الأخطاء فيها، نحن بحاجة أن ندرك اللحظة المهمة في حياتنا فلا ندع حلاقًا غاضبًا أو محبطًا أن يستلم رؤوسنا.
فالحلاقة تهذب الرؤوس من الخارج وليتها استطاعت أن تنفذ لتهذب ما في العقول المطأطأة عند الكثير من الناس.

الجمعة ، ٢٣ أيلول ٢٠٢٢
يوسف أبو جعفر أبو الطَّيِّب

Share.

About Author

Leave A Reply

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com