السبت, نوفمبر 16

مقال/ حتى نلتقي الذهب الأبيض

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

بقلم/ يوسف أبو جعفر أبو الطَّيِّب

رُغم اختلاف الكلمات يبقى الزمن هو أغلى ما نملك، مقالة اليوم أضعها بين أيديكم، أسعدكم الله وشكرا لمتابعتكم الأسبوعية ، الشكر موصول لكل من ينشر أو يكتب وخاصة القراء أولئك الذين لا اعرفهم .

البحث عن الذهب الأبيض ليس سهلاً -هكذا يسميه أصحاب المهنة -لعل التسمية جاءت تشبيهاً لنقاوة حباته أو لاستعماله ، المهم في الأمر أن صاحبنا ما يزال يدقق النظر في كلٍ من الأكياس ولا يكتفي بالنظر بل يصر على وضعها تحت المجهر، ومن خلال التدقيق نستمع لآهات تصدر عن معجبٍ بجودة البضاعة وهو يرى الدقائق والثواني التي ستحددها هذه الحبات، في نظره كل حبة هي لؤلؤة لا تتكرر، يقول أن نقاوتها وشكلها لا يتطابق فكل حبة لها شكلها الذي صقلته الأمواج، وسقوط الواحدة منها من الأعلى إلى الأسفل كصوت الرعد، أكثر ما يعجبه هو عندما يحدد الوعاء الذي سوف توضع فيه وتحديد الزمن.

هذه خمس عشرة دقيقة، أكثرها مبيعاً لحمامات السباحة وغرف البخار، لا أحد يهتم بدقتها ولونها، كل ما تحتاجه أقل أنواع الرمال نقاءً، فالبخار يمنع الناظر من الاستمتاع بالوقت والبخار يغطي الجدران ويحجب الرؤية، ولذلك دقتها ليست عالية وقليلون ممن يهتمون بجمالها الخارجي، لقد كانت في السابق تأتي في المرتبة الثانية للمبيعات بعد الستون دقيقة، منذ استولت ساعات الجيب على السوق وأصبح رجال الأعمال يتفاخرون باقتناء هذه النوعية، أصبح الزبائن فقط المغرمون في حب الذهب الأبيض النقي الذي ينساب من خلال الزجاج وترى في داخله بريق النور، وكيف تتدحرج الحبيبات الهوينا لتستقر في قعر القارورة.

اليوم أكثرها انتشاراً ذات الدقائق الثلاث والخمسة، هؤلاء يهتمون بالقارورة والذهب الأبيض وينظرون إلى دقتها، يعتبرون كل واحدة منها تحفة فنية، عندما أذكر لهم نقاوة الزجاج ونقاوة الرمل الذي يجمع وينقى حتى تبلغ درجة النقاء فيه أعلى من الذهب الأصفر يبدأ السعر بالارتفاع، إما دقة الوقت فهذه شرط لا يستطيع أحد التلاعب فيه، يقيسونه بساعاتهم الإلكترونية وكلما ازدادت الدقة زاد الثمن، لأن السر يكمن في تحديد الزمان عبر ممرات الذهب، فكمية الرمال بين الخمس دقائق والثلاث دقائق واحدة ولكن تحديد الممر يطيل الوقت أو يقصره، الزبائن أصحاب الولع يدركون ذلك، أما العامة وحديثو العهد فيعتقدون أن حبيبات الرمل تختلف عددا حسب الدقائق، ولذلك كثير ممن يجهلون هذا المجال يعتقدون أن حجم حبيبات الرمل وعددها هو المهم والحقيقة أننا كنّا في السابق نفعل هذا ولكنّا أدركنا أن التحدي الحقيقي ليس في تعداد حبات الرمال بل في الزمن.
إذاً حبات الرمل محددة ؟ أجابني كلا الزمن هو المحدد، لا أحد يجلس ويعد حبيبات الرمل، رغم أن بالإمكان فعل ذلك إلا أننا نزنها بدقةٍ فهي متشابهة إلا أن الزمن يختلف، قلت أأنت صانع ساعات أم فيلسوف؟ قال أعتقد أن كل أنسان فيلسوف في مهنته إن أتقنها وفهمها، فأنا أرى في الدقائق عمراً ينتهي، فالخمس دقائق قد تكون حياة أو موت، لقاء أو وداع، فرحة أو حزن، حسرة أو ألم، من يتأخر خمس دقائق عن طائرته لا يسافر، ومن يتأخر ثلاث دقائق عن موعدٍ قد يفارق حبيب أو لا يرى صديق، دقائق خمسة قد تفصل بين عالمين، بين نجاح وفشل، بين قرار صائب وخاطئ.
انظر إلى الرمل في هذه الساعة أنا اسميه الذهب الأبيض وغيري يسميها رمال الشاطئ، ما أكثر الرمال على الشاطئ ولكنها لا تعني الزمن، تعني اللا زمن، توقف كل شيء، الرمل خالط الصدف والأتربة فاختفت رحلته من أعالي الأنهر إلى الشاطئ ، كل حبة رمل عاشت على هذه الأرض مليارات السنين، أما أنا فاحبسها في زمني أنا، في قارورة زجاجية لتصبح دقائق وثواني، تصبح زمناً أخر.

وماذا تنتظر من ينظر إلى ساعتك الرملية، ألا ترى أنها مجرد زينة؟ علت الابتسامة على وجهه، في نظرك أنت أما في نظري فهي الحياة، عندما تتساقط حبات الذهب الأبيض تصدر صوتاً لا تسمعه أنت يسمعه من يعرف معناه، صوت كالرعد كارتطام الصخور، رغم صغرها إلا أنها تتدحرج نحو الأسفل لتأخذ موقعها كي تعتليه بمحبة حبة أخرى، حبيبات الذهب الأبيض تحب بعضها لا تحب أن تتفرق لذلك تنتظر بهدوء سقوط الأخريات خلفها كي تحميها من ألم السقوط على الزجاج، الذهب الأبيض يعشق بعضه، لا يسأل عن أصل الحبة التالية ومن أي الأنهر حضرت، لا تحطم بعضها، وتدرك فوق ذلك أنه عندما تتساقط أخر حبة سوف تقلب من جديد، فالتي كانت في أعلى الهرم ستصبح في أسفله، وهكذا دواليك، حبات الذهب الأبيض تبقى ناصعة متواضعة لا تهرب من موقعها، لا تتسابق على الخروج أو الدخول، كلها ستتحرك في النهاية كي تلتقي من جديد.

Share.

About Author

Leave A Reply

WP2FB Auto Publish Powered By : XYZScripts.com